السيد ابن طاووس
84
إقبال الأعمال ( ط . ق )
أصحاب التجارة المربحة والمطالب المنجحة أقول وقد يدخل في نيات أهل الصيام أخطار بعضها يفسد حال الصيام وبعضها ينقصه عن التمام وبعضها يدنيه من باب القبول وبعضها يكمل له شرف المأمول وهم أصناف صنف منهم الذين يقصدون بالصوم طلب الثواب ولولاه ما صاموا ولا عاملوا به رب الأرباب فهؤلاء معدودون من عبيد السوء الذين أعرضوا عما سبق لمولاهم من الإنعام عليهم وعما حضر من إحسانه إليهم وكأنهم إنما يعبدون الثواب المطلوب وليسوا في الحقيقة عابدين لعلام الغيوب وقد كان العقل قاضيا أن يبذلوا ما يقدرون عليه من الوسائل حتى يصلحوا للخدمة لمالك النعم الجلائل وصنف قصدوا بالصوم السلامة من العقاب ولولا التهديد والوعيد بالنار وأحوال يوم الحساب ما صاموا فهؤلاء من لئام العبيد حيث لم ينقادوا بالكرامة ولا رأوا مولاهم أهلا للخدمة فيسلكون معه سبيل الاستقامة ولو لم يعرفوا أهوال عذابه ما وقفوا على مقدس بابه فكأنهم في الحقيقة عابدون لذاتهم ليخلصوها من خطر عقوباتهم وصنف صاموا خوفا من الكفارات وما يقتضيه الإفطار من الغرامات ولولا ذلك ما رأوا مولاهم أهلا للطاعات ولا محلا للعبادات فهؤلاء متعرضون لرد صومهم عليهم ومفارقون في ذلك مراد الله ومراد المرسل إليهم وصنف صاموا عادة لا عبادة وهم كالمسافرين في صومهم عما يراد الصوم لأجله وخارجون عن مراد مولاهم ومقدس ظله فحالهم كحال الساهي واللاهي والمعرض عن القبول والتناهي وصنف صاموا خوفا من أهل الإسلام وجزعا من العار بترك الصيام إما للشك أو الجحود أو طلب الراحة في خدمة المعبود فهؤلاء أموات المعنى أحياء الصورة وكالصّمّ الذين لا يسمعون داعي صاحب النعم الكثيرة وكالعميان الذين لا يرون أن نفوسهم بيد مولاهم ذليلة مأسورة وقد قاربوا أن يكونوا كالدواب بل زادوا عليها لأنها تعرف من يقوم بمصالحها وبما يحتاج إليه من الأسباب وصنف صاموا لأجل أنهم سمعوا أن الصوم واجب في الشريعة المحمدية ص فكان صومهم بمجرد هذه النية من غير معرفة بسبب الإيجاب ولا ما عليهم لله جل جلاله من المنة في تعريضهم بسعادة الدنيا ويوم الحساب فلا يبعد [ تستبعد ] أن يكونوا متعرضين للعتاب وصنف صاموا وقصدوا بصومهم أن يعبدوا الله كما قدمناه لأنه أهل للعبادة فحالهم حال أهل السعادة وصنف صاموا معتقدين أن المنة لله جل جلاله عليهم في صيامهم وثبوت أقدامهم عارفين بما في طاعته من إكرامهم وبلوغ مرامهم فهؤلاء أهل الظفر بكمال العنايات وجلال السعادات أقول واعلم أن لأهل الصيام مع استمرار الساعات واختلاف الحركات والسكنات درجات في أنهم ذاكرون أنهم بين يدي الله جل جلاله وأنه مطلع عليهم وما يلزمهم لذلك من إقبالهم عليه ومعرفة حق إحسانه إليهم فحالهم في الدرجات على قدر استمرار المراقبات فهم بين متصل الإقبال مكاشف بذلك الجلال وبين متعثر بأذيال الإهمال وناهض من تعثره بإمساك يد الرحمة له والإفضال ولا يعلم تفصيل مقدار مراقباتهم وتكميل حالاتهم إلا المطلع على اختلاف إراداتهم فارحم روحك أيها العبد الضعيف الذي قد أحاط به التهديد والتخويف وعرض عليه التعظيم والتبجيل والتشريف فصل فيما نذكره من فضل الخلوة بالنساء لمن قدر على ذلك أول ليلة من شهر رمضان ونية ذلك اعلم أن الخلوة بالنساء أول شهر الصيام من جملة العبادات فلا تخرجها بطاعة الطبع عن العبادة إلى عبادة الشهوات ولا تشغلك الخلوة بالنساء تلك الليلة عن مقام من مقامات السعادات وإن قصرت بك ضعف الإرادة فاستعن بالله القادر على تقوية الضعيف